24 - 02 - 2026

إبداعات | ضحكتُها .. قصة قصيرة لعلاء الدين سعد جاويش

إبداعات | ضحكتُها .. قصة قصيرة لعلاء الدين سعد جاويش

حين قابلتُها أول مرة كنت في شغل شاغل، فالكثيرُ يهاجمونني على روايتي الجديدة، ووصفوني بالتحيز والعنصرية، وكنت مشغولاً بالدفاع عن نفسي، وشعرتُ أن حرارة الغرفة مرتفعة بشكل لا يمكن احتماله، وكأنني أجلس في بئر زيت يغلي، لكن حين أطلت بضحكتها في الحجرة تبدلت الأحوال.

توقف الهجوم الضاري على روايتي الجديدة، وتبدلت الحرارة هواءً منعشاً ونسيماً بارداً، وانشغل الجميع بالهشاشة والبشاشة لهذه الضحكة الطروب.

حاولت أن أفهم ما يجري حولي، ولماذا انصرفوا بحديثهم الملتهب عني، إلا أنه فور أن لامست أقدامُها أرضيةَ الحجرة شعرتُ أن هنا خفقة في الوجدان، تُبدِّل اللهيبَ نعيماً، وقف الخلق كلهم ينظرون هذا الوجه الضاحك الباسم المحتوي للجميع بإيماءة مرحبة بهم.

استغرق الأمر بعض الوقت حتى عادت الناس إلى أماكنها، وقام الدكتور رئيس الفرع بتقديمها إلينا، الدكتورة الجليلة المبجلة العالمة الكبيرة، ثم قدَّمنا إليها واحداً واحداً، وأخبرها أنني أنا صاحب الرواية التي سنناقشها الليلة، وقد فوجئت أنها ستكون جواري على المنصة لتقديم رؤيتها النقدية للرواية.

حين انتهى التعارف نظرت نحوي بابتسامة وخفر وقالت: روايتك جميلة.

ثم التفتت إلى بعضهم وانشغلت معهم.

أطلقت هذه القذيفة الباردة وقالت: روايتك جميلة، إذاً فليصبوا عليها كل براميل الزيت، ويشعلوا حولها وفيها كل براكين الأرض، ما عاد هناك رأي يمكن أن يحتويني كما فعلت هي بقولها: روايتك جميلة.

نزلت هذه الكلمة على بقية المناقشين فأفحمتهم، ولم يعد من الممكن مطلقاً لأحدهم أن يجد في الرواية ثغرة واحدة يحيد بها عن الوصف المثالي الذي أطلقته عليها، إن روايتي جميلة.

لما جلسنا إلى المنصة، قدَّم رئيس الفرع للرواية، وعرَّف بالمناقشين لها، وتحدث عني قليلاً، ثم طلب مني إلقاء كلمة حول تأليفها، لم أتحدث طويلاً، فقد واريت أكثر ما صرحت، ولم أُطِل على الناس حتى لا يملوا مني.

ثم طلب من الدكتورة أن تتحدث عن رؤيتها النقدية للرواية.

تحدثت حديثاً حلواً، وأخرجت ورقة من حقيبتها كانت قد أعدتها للمناقشة وقرأت منها، بدأت بالحديث عن هيكل الرواية، عدد صفحاتها، وعدد الفصول والمشاهد، وعدد الشخصيات، ومكان الأحداث وزمانها، وعقدتها الرئيسة وموضوعها الصعب، وكيفية أن الفهم المغاير للدين يؤدي إلى إيذاء الخلق لا نفعهم.

ثم عرجت عن درجة استفادتها من الرواية وكيف أضاءت مبهماً لديها عن نظرية الخلاص والدينونة، ووصول البشرية لاستقبال المسيح المخلص.

وفي نهاية كلمتها رنت نحوي وهي تقول: شكراً على إبداعك هذه الرواية العظيمة.

صفقتُ لها كما لم أصفق من قبل لأحد، كان عقلي يجاهد مع ذاكرتي للاحتفاظ ببعض ما تقول، فقد كانت تتحدث بطلاقة وسهولة ويسر وبساطة كانحدار الماء في جدول منحدر، وكانت ضحكاتها لا تتوقف أثناء الحديث، تلك الضحكة التي هيمنت على الحضور كلهم.

طلب رئيس الفرع من أحد الأعضاء إلقاء كلمة عن الرواية، وقال للحضور: بعد أن سمعنا كلمات المدح في الرواية من الدكتورة، الآن جاء دور النقد الساخن.

لكن لا توجد في رحاب وجودها سخونة، فكيف بهذه التي فرت منها الجنان تنافساً أن يمتلك أحد في حضورها حرارة؟

أبدى الناقد الإعجاب الشديد بكل كلمة في الرواية، وأكد أن الأفكار متسلسلة والمقدمات تؤدي حتماً إلى النتائج، وأن البشرية الضالة هي التي اعوجت عن الاستقامة وليس أنا.

لم أكن مهتماً بما يقول قدر اهتمامي بالرنو إليها، ومحاولة رؤيتها من قريب، فكثيرات جميلات على البعد، وحين تقترب تفاصيل الوجوه نفاجأ بالكثير من التجاعيد أو النمش أو الحبوب الصغيرة أو غير ذلك مما يقدح في الجمال.

أما هذه الدكتورة العذبة الحلوة الشمائل، فهي في البُعد والقُرب سواء، وكلمات الغزل كلها تقف عاجزة عن وصفها، كما عجزت الحيتان أن تشرب ماء البحور، نعم، جمالها بحر لا قاع له، وكل لغات العالم أسماك تغوص في هذا البحر، فهل يستطيع أيٌ منها الوصول إليه كله؟

لما انتهت المناقشة، أبدى الرئيس تعجبه من تبدل كلمات بعض المناقشين من القدح إلى المدح، لكنه علل ذلك كله بأن الجميلة تحدثت أولاً، ولم يقدر أحد على مخالفتها.

انتهى اللقاء، وسلَّم بعضهم على بعض للوداع، ومضى كلٌ إلى غايته، لكنني التصقت بها وسألتها: إلى أين؟

أجابت: إلى البيت.

قلت: في أي سماء تسكنين؟

ضحكت فأربكت رجولتي كلها وخلعت عني عصمتي في رحابها، وقالت: في حضن ماما.

قلت لها: هل تقبلين الحياة مهراً لهذه الضحكة العطرة؟

ضحكت مجدداً وقال: كيف ذلك؟ أنت تبالغ.

أخذت نفساً عميقاً، وجاهدت أن أكتم عن الحضور شهيقاً يفزعني ويرهقهم لو التمسوه من جوفي، ثم قلت لها: حاشا لله أن أُبالغ، فقد كنت أرى من قبل أن الحب الأول لا يمكن أن ينخلع من الفؤاد، وكل امرأة أقابلها بعده لا يمكن أن أحبها لأن الحب الجديد خيانة للحب الأول، رغم ما في النساء الأخريات من جمال ودلال، إلا أنني وفي حضرة صاحبة هذه الضحكة البهية أرى أن الحب الأول هو تمهيد القلب للحب، وحين تأتي التي تملك كل ما تملكه كل النساء وأكثر فحبها يصبح عقيدة، المتخلف عنها صابئ وهالك، وربما يكون كافراً بأنعم الله تعالى.

لم ترد.

فقلت لها: هل يمكنني توصيلك إلى البيت؟ إني أخاف عليكِ من المعاكسات والتحرشات وغيرها من المضايقات.

ابتسمت وقالت: ومنْ يجرؤ؟

قلت لها: الشر.

قالت: يتبدل في وجودي خيراً.

عجزت عن الرد ومجاراتها في الحديث، فقلت لها: هل ستغادرين الآن؟

قالت: ألم تنقش صورتي في قلبك؟

قلت: في سويداء القلب، لكن الإنسان مفطور على الطمع.

ضحكت وهي تلوح بيدها للجميع، ونزلت الدرج بخفة، وغادرت المكان ساحبة معها ضلوعي من صدري، حتى وقفتُ عاجزاً أشعر ببرودةٍ شديدةٍ، كأن الدنيا صارت صقيعاً من الداخل والخارج.

استغرقتُ وقتاً طويلاً، حتى استطعتُ الوصولَ إلى السيارة ومغادرة المدينة كلها.

وطوال الطريق أسمع رنات ضحكتها في قلبي، وكلما حزبني أمر انفجرت ضحكتها في قلبي فأبدلتني سعادة مكان الحزن، ولكن يؤرقني عجزي وأنا كاتب الروايات عن وصف ضحكتها للآخرين، لكني أعزي نفسي بقول أحدهم: إن من الأشياء أشياء لا تحيط بها الصفة، وهذه الضحكة مما لا تحيط بها الصفة.
----------------------------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش